“وحين يسود الظلام سأخرج “أنا” والأشياء من الغموض” سارتر
طيلة اللحظات التي جمعتني به صُدف العمل داخل المؤسسة التي كانت تُصدر “الصحيفة ولوجورنال” بين 1999 و2003، كنت لا أرى فاضل العراقي إلا مبتسما، بشوشا، قليل الكلام، وحتى وهو على ثرائه، كان يبدو في لباسه كما في معيشه زاهدا وقنوعا، ولكنه في ذات الآن عالم من الأسرار الدفينة التي مهما كان حدسك الصحفي متّقدا لن تفوز بسر منها، إلا عبر ما تستطيع أن تنسجه معه من دفء إنساني.. جاء إلى شركة “ميديا تروست” عبر أحد أقارب بوبكر الجامعي لتعويض حسن العلوي، في لحظة نزيف مالي حاد في مالية المؤسسة التي تصدر الجريدتين الأسبوعيتين المثيرتين لوجورنال والصحيفة، وفي عز لعبة شد الحبل مع السلطة.
ظل فاضل العراقي وفيّا لاسمه، إنه أحد رجال الأعمال الفضلاء القلائل، أكاد أقول الاستثنائيين، الذين أعطوا للصحافة المستقلة الكثير دون أن يطلبوا منها شيئا، والحق يقال إنه في المرحلة التي كان فيها بو بكر الجامعي في إنجلترا، لم يكن لنا داخل أسبوعية “الصحيفة” من نصير في شركة “ميديا تروست” سوى فاضل العراقي، الذي آمن بالصحافة العربية وإن لم تكن ثقافته عميقة في اللغة العربية، وكلما أغضبنا الفرنكفونيون في “لوجورنال” الذين كانت لهم الأجور المرتفعة والآليات الحديثة والوضع الاعتباري، فيما كان لنا ما تساقط من أجور ومتاع وسائل العمل، كان فاضل العراقي بدبلوماسيته ولطفه الإنساني ودعمه المادي يخفّف عنا قهر الداخل وضغط الخارج في مهنة المتاعب.
في مرحلة غياب بو بكر الجامعي، كان فاضل العراقي ـ رحمه الله ـ سندا للصحيفة العربية، وكان والده القاضي متتبعا لافتتاحيات “البوح الممكن”، كانت تصلني آراؤه حولها من خلال ابنه، مدحا أو عتابا، لأنه ظل قارئا ذكيا متقد الحواس.. فاضل هو الذي جدد مكاتب الصحيفة وحمل لنا حواسيب جديدة وهواتف متطورة حديثة، وهو الذي أصرّ على أن يُطبع اللسان العربي بنفس الجودة العالية للوجورنال خارج المغرب، وكان دوما يقترح عليّ تغيير “ماكيت” الصحيفة وكنت أرد ملتمسه، لما رأيتُ من تكلفة باهظة الثمن لتغيير الشكل الفني لجريدة “لوجورنال”.
في لحظة الأزمة التي ضربتْ شركة “ميديا تروست” التي كانت تصدر الأسبوعيتين عام 2002، وصلنا إلى الخط الأحمر لإغلاق الجريدة، وكنا نعرف بحكم واقع ثقافي واقتصادي معقد بالمغرب يومها، أن اللسان العربي هو أول ما يُضحى به في كل الأزمات التي عصفت بالشركات التي كانت تصدر لسانين عربي وفرنسي، فقد توقفت “الحدث” واستمرت أسبوعية “لاغازيت دو ماروك”، وانتهت “نيشان” فيما استمرت “تيل كيل”، وفيما بعد تأكد خوفي بعد اختفاء الصحيفة وبقاء لوجورنال.. عقدتْ الشركة اجتماعا مصيريا حضره مجموعة من الفاعلين المقربين من الخط التحريري للجريدتين: أتذكر بينهم محمد الساسي، أبراهام السرفاتي، نور الدين عيوش، محمد سؤال وآخرون… لوضعهم أمام واقع إفلاس الشركة، وكان الزملاء في “الصحيفة” برغم زهد أجورهم قد توافقوا حول مقترحي للتخلي عن جزء من أجورهم، في الوقت الذي كانوا في حاجة إلى الزيادة نظرا للمجهود الجبّار الذي كانوا يقومون به ـ وأنا مدين لهم بكل النجاح الذي حققته معهم في الصحيفة، الذين عبَروا والذين استمروا ـ عرضت الأمر على فاضل العراقي، لكنه التمس مني بنبل عدم المسّ بقُوت الصحافيين العاملين ب”الصحفية”، كان مقدار ما عزمت التخلي عنه هو نصف راتبي بعد أن تخليتُ عن النصف الأول لحظة تحملي مسؤولية رئاسة تحرير “الصحيفة”، وتلك حكاية أخرى..
وأشهد أن بو بكر الجامعي، كما هي عادته، نصحني بنفس ما قاله له لي الراحل فاضل العراقي، ورغم ذلك، وبنوع من الفضيلة التي نشأنا عليها في “الصحيفة”، قدمتُ مقترحنا الجماعي في ذات الاجتماع.. وهو ما أكبره فينا فاضل العراقي الذي ظل دوما يسألني عما يلزمنا لتطوير العمل بالجريدة، ويفاجئنا بكرمه وبحدبه.
أن تجد ثريا قادرا على الاستثمار في جريدة مستقلة، ولا يطالبك بقراءة ما كتبتَ قبل نشره، أو يحضر معك اجتماع هيئة التحرير، أو يلومك على ما نشرت، شيء نادر الحدوث، وفي حالة جريدتين جريئتين فالأمر أكثر مخاطرة والرأسمال كما يقال عادة دوما جبان، ظل فاضل العراقي مشبعا بروح نبيلة وبسمو شامخ قل نظيره بين رجال الأعمال، إذ المال والفضيلة كما اعتدنا بينهما برزخ لا يبغيان!
أتذكر فرحه الطفولي وهو يلج مكتبي في الطابق الثامن من عمارة “إيمان سنتر” بشارع الجيش الملكي، ليهنئني على العدد، لأن مثقفا أو شخصية هامة أو صديقا ذا ثقة أشاد بافتتاحية أو بخبر أو غلاف أو ملف… ترى الفرحة تنطّ من عينيه، أو حين يبشرني بآليات جديدة أو ليسأل عن خبر أو قضية ما، والحقيقة أنه كان جندي الظل بامتياز، فيه روح عارمة من المغامرة بكل شيء من أجل أن تنمو صحافة جريئة آمن بها، ووضع كل مصالحه الرأسمالية في مهب الهباء، لذلك كان فاضل العراقي الاستثناء الذي لا يتكرر كثيرا.
جاء فاضل إلى “لوجورنال” و”الصحيفة” بروح البذل والعطاء بقلب كبير، غير اقتناص الربح وحسابات الأسهم، وكان سخيا في تعويض حسن المنصوري عن أسهمه حين قرر هذا الأخير مغادرة “ميديا تروست” إلى أبعد الحدود وقد عبر بنبل أيضا عن استعداده للتنازل عن أرباحه مجانا، قدم الراحل إلى “ميديا تروست” بروح مغامرة فيها الكثير من الفضيلة، لذلك اتسم بالعطاء إلى أبعد مدى.. وأشهد أن لا فاضل العراقي ولا بو بكر الجامعي طلبا مني ما يجب أن أكتب، وما لا أكتب، وهل عليّ أن أحذف هذا العنوان أو هذا المقال، وكان يقرآن الجريدة بعد أن تصدر كغيرهما من القراء..
أتذكر مرة أنجزنا ملفا عن “اتصالات المغرب” وكانت متنفسا إعلانيا لنا نجني منها مداخيل كثيرة، وضعت الملف أمام بوبكر الجامعي وفاضل العراقي ـ لأن المعطيات التي كانت فيه مهولة والنشر له ضريبة كبرى هي قطع صنبور الإشهار- فقال لي فاضل العراقي رحمه الله بجنون لا يصدق وبفرنسيته الطليقة: “انشره.. على المواطن أن يعرف كل هذا”، وعاضده بوبكر الجامعي بذات الحماس: “اتكل على الله، نحن نقوم بمهمة الإعلام وليس الإعلان”، ومن يومها انقطع علينا إعلان شركة الاتصالات إلى الأبد، هل كنا مجانين وليس لدينا الحس المقاولاتي لنراعي مصالح استمرار مد شرايين الصحيفة بالإعلانات، سينظر الكثير من أصحاب المقاولات الإعلامية اليوم إلى الأمر بالكثير من الاستخفاف، أما بالنسبة لنا يومها فقد كنا حالمين وصادقين ليس إلا!
فاضل العراقي القادم من عالم التأمينات، هو أيضا فنان في الحياة، ليس لأن لديه المال لاقتناء اللوحات القيمة للفنانين التشكيليين أمثال الغرباوي والقاسمي وشبعة… بل لخبرته في مجال التشكيل والتصوير، ومنزله تحفة فنية خالصة، وكانت له غيرة على الشأن الثقافي والفني بالمغرب، فقد اشترى مكتبة ضخمة بطنجة إنقاذا لها من الانهيار، وهو أيضا سليل أسرة وطنية مهتمة بالعلم، وأبوه القاضي الفاضل معلمة ثقافية واسعة، ونبل بلا حدود.. لذلك جاء فاضل العراقي مشبعا بالقيم الإنسانية، كان عطفه على الفقراء والكادحين مدرارا، لدرجة أنه رأى متسولا من مهاجري جنوب الصحراء فحمله إلى المنزل وجعله يقيم معه، وكثيرا ما شارك محمد حداد الحارس بمقر الأرشيف والمخلفات بميديا تروست، طاجين البيض والطماطم الذي كان يعده المرحوم حداد على أنغام أم كلثوم واسمهان بصوت شجي هو ما كان يمنحه تلك اللذة العجيبة، وهو المعد وسط الغبار وركام الجرائد في قبوه الذي كان خير حضن لنا!
لقد فقدت الصحافة الوطنية بشكل مفاجئ رجلا فاضلا، أعطى الشيء الكثير للصحافة المستقلة، وإذا كان فاضل رحل عنا بشكل مفاجئ فإن وشم القيم الإنسانية التي ظل يمثلها سيظل حيا لا يموت.