كاتب بحس نقدي، يكتب سيرته وهو ينبش في تلابيب الذاكرة الجماعية
عبد العزيز كوكاس
“لا يبدو التاريخ كتاريخ عندما تعيش فيه” جون جاردنر
بأي لغة يمكن أن أتحدث عن محمد الصديق معنينو، إذ تجمعني به وشائج شتى: زميل مهنة، صديق حميم، تورط مشترك في الهم الإعلامي والسؤال الثقافي وحب هذا المغرب الذي يسكننا، برغم اختلافنا جيلا وتموقعا وتجربة، ظللنا منذ تعرفنا على بعضنا عن قرب على احترام وتقدير متبادل، هذه الشهادة هي حصيلة مصاحبة مشاكسة لكل ما أنتجه الصديق معنينو، وخلاصة نقاشات متبادلة في قضايا ذات حضور كبير في المشهد السياسي والإعلامي والثقافي بشكل عام، وتتبع لكل ما ينشره كلانا، فالصديق معنينو الذي كان شاهدا بحكم مسؤوليته الإعلامية على أحداث كبرى عبرت المملكة في النصف الثاني من القرن الماضي، هو أيضا قارئ نهم، متتبع ذكي لما ينشر، ومنصت جيد للآخر مهما اختلف معه في التوجهات والأفكار وسياقات النقاش، وأيضا هو وريث سلالة كانت في قلب القصر أو في قلب مملكة الكتابة وهم السياسة، من زعيم الحزب الذي انتمى إليه والده المقاوم وكاتب المذكرات الحاج أحمد معنينو، إلى أخيه المهتم بالتاريخ وباقي السلالة.
إنه ينسج قماش ما يكتب من محبة وصدق ويترفع عن الأنانيات الصغرى والنميمات المنسوجة في الأمكنة السرية، لأنه حتى وهو متورط بحكم مسؤولياته الرسمية السابقة في المعترك المهني الممزوج بتوابل السياسة القصوى، ظل محافظا على الكثير من نبل العشاق وفضيلة الكبار في حفظ الود وصون العهد، وقد أسدى خدمة كبيرة للذاكرة الجماعية وهو يستعيد “مغرب زمان” أو وهو يخوض في ذاكرة والده من خلاله كتابه الضخم عن الحاج أحمد معنينو، أو عبر كتاباته في قضايا ذات بعد تاريخي من “قراصنة سلا في القرن التاسع عشر” إلى “السلطان والأسير” وباقي ما كتبه أو ما يعدنا به من كتابات تلاقي قبولا من طرف القراء والباحثين ومختلف الفاعلين.
يكتب الصديق معنينو بحس الواعي بالتباسات الذاكرة وأحابيل تضليلها، وهو في كل ذلك لا يدعي امتلاك الحقيقة، أو أنه الراوي الوحيد لوقائع كان شاهدا عليها، أبدا تلك غواية المنتحلين لصفة التفرد، أو الحقيقة اليتيمة، أو الدعاة الذين يقفزون على الحقائق.. يكتب الإعلامي معنينو بدقة الحاذق الذي يحاول تقريب ذاكرته من صدقية الوقائع، لذلك تتسلح كتاباته بحس نقدي يتغيّى المساهمة في بناء ذاكرة جماعية متنوعة. وهو يعي الحدود الكبرى بين الصحافي والمؤرخ.
منذ غوصه في قلب كتابة مذكراته عن لحظة حساسة من تاريخ المغرب المعاصر، ظل معنينو يؤكد أنه صحافي وليس مؤرخا.. يكتب ذاته من خلال ما عاشه من أحداث ووقائع في مشواره المهني في “مغرب زمان”.. لقد ظل يكتب نفسه وهو يروي وقائع من قلب الذاكرة الجماعية ك”شاهد على القصر”، كان يكتب سيرته الذاتية وإن توارى خلف الأحداث الكبرى التي حفلت بها مذكراته، إنه موجود ليس فقط من خلال ضمير المتكلم الذي هيمن على كتابة مذكراته.. بل أيضا من خلال قيمة تحليله لما عاشه حتى وإن بعدت المسافة بين زمن الحدث وبين حكيه.

يجب الإشادة بأن معنينو كان واعيا بالحدود الفاصلة بين الصحافي والمؤرخ، وظل وفيا لمقولة إن الصحافي هو من يكتب المسودة الأولى للتاريخ، كتابة الشاهد، الذي تجري الأحداث بالقرب منه، والكثير منها كان في قلبها فاعلا أو مشاركا، أو قريبا من جريانها، تلك الكتابة التي تمهد للتاريخ، من خلال الاهتمام بفضاءات الذاكرة، كانت أمكنة، أو شخصيات ذات تمثيل رمزي في سياق تاريخي محمل بثقل أسرار وانعطافات وقسوة وأمل، انكسارات وانتصارات، خيبات وآمال… يقول معنينو: “لابد من التوضيح أنني كنت صحافيا في الإذاعة والتلفزة الوطنية، ومن خلال عملي هذا كنت قريبا من الملك الحسن الثاني، كي لا يُفهم أني كنت أعلم أسرار الملك الراحل وأتكلم معه في كل حين، إن عملي المهني فرض أن أكون قريبا مرات عديدة من حيث المسافة من الملك الراحل.. لكن يفرض علينا التاريخ أحيانا ونحن بعيدون عن الحدث أن نتأمل اليوم الوقائع بعين أكثر حيادية”.
تقع مذكرات “أيام زمان” في المنزلة بين المنزلتين، تنهج موضوعية التاريخ بحيث أن الأحداث المروية ترتبط بمسار أمة ووقائع عاشها جيل بكامله ولا زال بعض صناعها أو شهودها أحياء حتى اليوم، وتتكئ على ذاتية جنس السيرة الذاتية، لأن المؤلف غير محايد فيما يحكي.. وعلينا أن نكتشف مع مرور الزمن تلك الحدود الدقيقة بين المؤرخ والصحافي والكاتب السير ذاتي في مذكرات الصديق معنينو، الذي يعي هذه الفخاخ.
ليس للصديق معنينو عقدة مع ماضيه المهني ولا تاريخه الشخصي، فلا تمجيد ولا انتقام في كتاباته، لا تصفية حسابات مع الوقائع ولا مع الأشخاص، ويمكن اختبار ذلك في لحظات تماس الإعلامي مع السياسي/ السلطوي بشكل أدق.. كيف يمكن أن يخضع صحافي السلطان إلى سلطان الصحافة؟ كيف يمكن أن ينجح في تجاوز الأسلاك الكهربائية العارية والعالية الضغط دون الإخلال بتقريب قرائه من الفرن الذي كانت تنصهر فيه المواد الأولية الخام للقرار السياسي؟ لقد قدرت له كفاءته المهنية، أن يكون في حضرة السلطان وكتبه المحتفى به جاءت في سياق تحرره من أي مسؤولية رسمية إلا رهبة السلطان، أقصد سلطان الحقيقة..
لقد منح معنينو الحدث حياتين: مرة كما وقع في زمن حدوثه في سياق ثقافي وسياسي مختلف، ومرة في المذكرات متأثرة بزمن الكتابة وأفقها ومقصدية الكاتب وشروط الكتابة والممنوع والمباح في الكتابة وزمن التلقي، أو كما قالت تيري ويليامز: “هذه الكلمات التي دوّنتها بخط يدي في دفتر مذكّراتي أثبتت لي مراراً أنني عشتُ كل تجربة في حياتي مرتين: واحدة في العالم الحقيقي، وأخرى بين صفحات مذكّراتي”..
واصل معنينو مغامرته في محاولة إعادة بناء وقائع تاريخية بشوق السبق الصحافي وإنشاء قصة صحافية مع مجهود جبار في الغوص في مضان الكتب ووثائق الأرشيف، كما كتابه الموسوم ب”المغرب في القرن السابع عشر: السلطان والأسير”، الذي يعتبر الجزء الثاني لكتابه الأول “سلا في القرن السابع عشر: جمهورية القراصنة”، وبحكم أن الأحداث التي كتب عنها، كانت بعيدة عن الذات من حيث الزمن التاريخي، فإنه كان أقرب إلى الكتابة التاريخية من المذكرات، إن الحس الصحافي والوعي النقدي والبحث الموضوعي يجعل هذين الكتابين أكثر قربا من التاريخ، وإن كانت فيهما رائحة انتساب للسلالة أو للمكان الذي نشأ فيه معنينو.
نؤاخي في مذكرات “أيام زمان” كتابة ذات أخلاق عالية تهمها الوقائع والأحداث أكثر من النبش في تاريخ الأشخاص والتقاط هنّاتهم وزلاّتهم المحض إنسانية، فلذلك لا يورد في سرده أسماء الأشخاص ممن كانوا في موقف ضعف، ويتحدث عن صفات تقريبية لا تعيينية مثل زعيم حزبي من المعارضة أو أحد الوزراء الذين مروا بالإعلام.. تبدو ذاكرة معنينو قوية: المعطيات مضبوطة بالتواريخ، الرسائل، قصاصات الجرائد، اليوم والساعة والشهر والسنة، الأحداث تحضر في كتبه الخمسة من سلسلة “أيام زمان”، بدمها ولحمها، ولكن الذاكرة ماكرة ولها ثقوب، وفي اعتقادي أن الصديق معنينو منذ وجد نفسه بالقرب من صناع القرار بالمغرب، إلى جانب الحسن الثاني وحاشيته، كان يعي أهمية ما يعايشه، ولذلك أخال أنه كان يدون منذ الستينيات ما يمر به من وقائع ويسجل رؤوس أقلام العديد من الأحداث ذات شأن، لذلك ظلت وقائع مذكراته حية ولم تغرق تفاصيلها في ضباب النسيان.. من هنا الحس الزمني للمؤرخ في مذكرات معنينو.
في كتابات معنينو، نجد إلى جانب التوثيق، وتفاصيل الأحداث والمعلومات والوقائع، لغة آسرة تقول الأشياء بوضوح كما يفرض ذلك التعاقد الصحافي مع الجمهور الموسع، ولكن أيضا بانزياح يكتب الصديق معنينو بأسلوب ممتع، سرد سلس، إنه صحافي متمكن من لغة باذخة، تجربته المهنية حاضرة بقوة، في مذكرات “أيام زمان” بأجزائها الخمسة، هناك قصة تروى، زمن ومكان ينظم الحكي وفق مسار محدد، وشخوص يصنعون الحدث وهو قريب من فرنه الداخلي، ما يميز مذكرات الصديق معنينو “أيام زمان” بالإضافة إلى ما ترويه من أحداث مهمة جدا، هو لغتها، فالرجل متمكن من لغة أدبية رصينة، برغم كونه إعلاميا يتقصد الإفهام والإقناع، فإنه يتكئ على المجازات والاستعارات لتوصيف ما رأى وما سمع، يمكن الوقوف على ذلك من خلال عناوين مذكراته ذاتها: “السنوات العجاف”، “معركة الوجود”، “خديم الملك”، “الفتح المبين”.. لغة ذات منشأ إعلامي رصين، مسنودة بمقروء أدبي رفيع، تفيد وتمتع، ترصد الوقائع وتصورها بأسلوب لغوي، يحول خطية اللغة إلى صورة مرئية ومسموعة.. لقد أفادته خبرته في التصوير التلفزي ورصد المشاهد بدقة حتى وهو يكتب نحس كما لو أنه يحرك كاميرات عديدة، يبدو الحدث أو الفاعل في الواقعة منظورا إليه من زوايا مختلفة..
الصديق معنينو صحافي تحول من مجرد خادم في بلاط صاحب الجلالة إلى فاعل وازن في حضرة صاحبة الجلالة، الصحافة، وأعتبر أن كتاباته ومذكراته تشهد بوجود صدقية كبرى في محاولة كتابته لجزء من وقائع أساسية في تاريخ المملكة عبر خمسة عقود.