الجيل الجديد من حقوق الانسان: حقوق غريبة تغزو المكتسبات الكونية للإنسان فيما لا زلنا نصارع من أجل الأساسي منها

0

عبد العزيز كوكاس

نحن الذين لا زلنا نصارع من أجل الحقوق الأساسية التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من الحق في الحياة والتعليم والسكن والنقل والصحة والتفكير والتعبير…  تقطع البشرية مسارا بعيدا مع ظهور جيل جديد من الحقوق، يظل في الغالب الأعم غامضا وبعيدا عن اهتماماتنا، رغم إشكالاته الدقيقة التي نوجد في قلبها مثل الحق في الشخصية والحق في الخصوصية، وباقي الحقوق الميتافيزيقية مثل الحق في الموت وتغيير الجنس والحق في الخبل.. تعالوا في جولة في إشكالات حقوقية غريبة عنا لا يخلو بعضها من طرافة.

يزخر عالم حقوق الإنسان اليوم بتعدد وغنى غير مسبوق، نحن الذين كبرنا في سياق الحرب الباردة والصراع القطبي ومسارات التحرر والديمقراطية لدول خارجة للتو من الاستقلال وتبحث عن نموذجها الخاص للبناء والاستقرار والتقدم.. لا نعرف إلا التقسيم الثلاثي التقليدي للحقوق بين مدنية وسياسية وحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية، ثم حقوق التضامن والشعوب.. بينما التطور الفكري والثقافي الذي شهده العالم منذ نهاية القرن الماضي أفرز أشكالا جديدة غريبة من الحقوق التي لم نألفها لا كمغاربة ولا كمسلمين في تداولنا الإعلامي والسياسي والحقوقي.. مثل حقوق الخبل والجنون، الحق المترتب عن الإعاقة، الحق في العزلة ضمن ما يعرف بالحق في الخصوصية والحق في الشخصية والحق في الحياة والموت..

إن الزخم الفكري والثقافي الذي جلبته العولمة والتطور التكنولوجي الهائل، طرح جيلا جديد من الحقوق وأسئلة غريبة عن العديدين من مثل: متى تثبت للإنسان الشخصية القانونية؟ هل حين يكون المولود قابلا للحياة، أي بمجرد انفصال الجنين عن بطن أمه، أم حين تكون أعضاؤه الحيوية مكتملة النمو؟ هل ينتهي الحق في الشخصية مع انتهاء حياة الإنسان ماديا أم تمتد حتى بعد الوفاة لاعتبارات اجتماعية واقتصادية مثل “سداد دينه” و”تصفية تركته”..

هل للإنسان كامل السلطة على جسمه أم أن للجماعة الحق في التدخل في جسده تحت مطلب الصالح العام، مثل العقاب على محاولة الانتحار أو الإنهاء غير الطبيعي للحياة؟ ما هي الأجزاء المرتبطة بجسد الانسان التي لا يجوز التصرف فيها، وتلك التي يحق التصرف فيها مثل الأسنان المقلوعة والأطراف المبتورة؟ وهل يمكن منح الرحم للاكتراء ووهب السائل المنوي للغير؟

حق الإشهار، حق الحفاظ على الصورة الشخصية، الحق في العزلة وعدم التصرف في شخصية الفرد

بدءا يجب التمييز بين “مفهوم” الشخص الطبيعي و”حق الشخصية”. ذلك أن مفهوم “الشخص الطبيعي” يعتبر أحد أركان تحديد الحق، ويقصد به الإنسان بصفته كذلك بغض النظر عن جنسه وطبقته وعرقه ونوعه ومركزه الاجتماعي، أي الانسان كإنسان يتمتع بالشخصية القانونية، أما الحق في الشخصية، فالمقصود بها تلك الحقوق اللصيقة بالإنسان التي تعتبر امتدادا لكيانه التي لا يحق للغير التصرف فيها وهي لا تنتقل بالميراث. إذ يقسم الحقوقيون “حق الشخصية” إلى ثلاثة أنواع:

“حق الفرد في الاستخدام التجاري لاسمه أو سمعته أو صورته أو أي معالم تحدد شخصيته”، ثم حق الخصوصية التي تعني في المجمل “عدم استخدام الشخصية من طرف الغير دون الحصول على إذن” وحماية معلوماته الخاصة.

يبدأ الحق في الشخصية، منذ الصرخة الأولى لولادة الجنين أي في اللحظة التي ينفصل فيها المولود عن مشيمة جسد أمه.. يبدأ الحق في شخصيته القانونية، من الاسم إلى الجنس والديانة، وإثبات الميلاد، وينتهي التمتع بهذا الحق مع انقطاع تنفس الشخص وعدم حركته وتوقف نبض قلبه. فلذلك يعتبرها فقهاء القانون حقوقا لصيقة بالشخصية وملازمة لها للحفاظ على الكيان المادي والمعنوي للشخصية، وتنقسم إلى:

ـ حق الشخص في سلامة كيانه: امتد الاجتهاد الفكري والفلسفي المعاصر للبحث في قضايا دقيقة غير مسبوقة في الحقوق الفردية الخاصة بكل شخصية، لذلك فأول الحقوق الملازمة للإنسان هي حماية جسده وعدم المس بكيانه المادي والمعنوي عبر التعذيب أو الجرح أو القتل، وتمتد الحماية القانونية لجسم الانسان وحياته من تحريم المس به من طرف الغير إلى التساؤل حول حق الإنسان ذاته في التصرف في جسمه مثل الانتحار ووضع حد لحياته وفيما يسمى القتل الرحيم.. وهي إشكاليات عصرية لم يسبق تناولها بمثل هذا الثراء القانوني وتعدد المرجعيات الثقافية والفكرية التي عرفتها الالفية الأخيرة.

لقد رتب القانون عقوبات على كل من يمس الكيان المادي والمعنوي لشخصية الإنسان مثل اعتداء الغير على الحق في الحياة أو السلامة الجسدية وقرر مبدأ التعويض المادي للمس بشخصية الغير، ويمتد الحق في الشخصية إلى قضايا بالغة التعقيد، مثل: هل للشخص سلطة مطلقة للتصرف في جسده كما شاء؟ هنا ترتفع بعض القيود ومنها العقاب على محاولة الانتحار، واختلاف الكيانات الاجتماعية والمعتقدات الدينية من بعض ما يعتبره حقا ملازما للشخصية في مجتمع، وفي آخر لا يتم إقراره، مثل القتل الرحيم، أي طلب القتل الشخصي بعد اليأس من مرض أو غيره، وإذا ما رفض الشخص معالجة جسده المريض فإن ذلك يعتبر تعسفا في استعمال الشخص لحقه في سلامة جسده…

 الحق في الحياة الخاصة وحرية التعبير والحق في الحصول على المعلومة: تناقض أم تكامل؟

هل يمكن أن تضر حقوق بحقوق أخرى؟  تلك إشكالية أساسية واجهت فقهاء القانون والمنظرين المعنيين بالحقوق الملازمة للشخصية أمثال باتريك برونيت، خير الدين موهلمان، إريك روند، ولورناوورد.. كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحق في الحياة الخاصة وحماية المعلومات الشخصية وبين مبدأ الحق في السياقات المختلفة سياسية، ثقافية، دينية واجتماعية في التأثير على مفهوم الحق في الشخصية وتحديد مجال الحق في الحياة الخاصة وحماية المعلومات الشخصية؟

منذ 1990، توضحت المعالم الأساسية لمفهوم “الشخصية كحق أساسي من حقوق الانسان، إن التطور التكنولوجي الخطير الذي أعطى دفعة كبرى لتدفق المعلومات وتداولها مس الكثير من المعلومات الخاصة بالأفراد وأضر بهم، وطرحت مرافعات كثيرة في وسائل الإعلام ووسط قاعات المحاكم ومن لدن المختصين، وتم تحديد مفهوم الحق في الحياة الخاصة والبيانات والمعلومات الشخصية في بعدين: الحق في الشرف والسرية والحق في الهيئة والاسم.

الحق في الشرف والسرية.. من الكوني إلى الخصوصي

كيف نحقق الملاءمة بين الحق في الحياة الخاصة وكونية حقوق الانسان؟ كيف نحمي أسرار الشخصية أمام الهجوم التقني الكاسح الذي يفرض مساحات أكبر لتداول المعلومات وتعميم البيانات الشخصية في عالم يتراوح بين الواقعي والافتراضي؟

وعلى المستوى المحلي أضحى الصحافيون المغاربة يفاجأون بقضايا ترفع عليهم في المحاكم مرتبطة بالحق في المعلومات الخاصة والحق في الصورة الشخصية، فبمجرد ظهور صورة الشخص في تصوير بدون استئذانه أصبح يسمح له برفع دعوى قضائية بدعوى الحق في الإشهار، أي عدم استعمال الاسم والهيئة أو الصورة الشخصية بدون استعمال ترخيص واستئذان أو تنازل أو تعاقد مع الشخص المعني..

إن الحق في الشرف والسرية يعني أن كل شخص له الحق في احترام سمعته وشرفه وكرامته، وهذا يشمل بدوره احترام الحياة الخاصة بموجب القانون، وعدم المس بها عبر ما يسمى جرائم السب والقذف وكل ما يتضمن تحقيرا لشخصية الغير.

تنص القوانين الحديثة اليوم على حماية الحياة الخاصة، إذ لا يجوز نشر وإعلان ما يرتبط بصحة الإنسان، أو أسلوبه في الحياة، وتقرير حرمة المراسلات وحماية سرية المكالمات الهاتفية الخاصة وعدم انتهاكها إلا بموجب القانون، ولوجود خطر يتهدد الجماعة، وتقدر العدالة أن حجم ضرره أقوى من ضرر عدم حماية الحياة الخاصة، فكل نشر لمعطيات خاصة للمرء بلا إذنه يعتبر انتهاكا للحق في السرية وحماية الخصوصية، ويفرض القانون عقوبات زجرية على كل من سمح له بالاطلاع على معلومات خاصة عن شخص بحكم الوظيفة أو المهنة أن يعمم تلك المعلومات السرية للشخصية حتى بعد انتهاء تلك الخدمة أو المهمة,،يدخل ذلك في باب إفشاء السر المهني وهو خرق واضح للحياة الخاصة. ويعتبر المسكن المكان الحميمي والفضاء الخاص للشخصية الذي لا يجب خرقه أو اقتحامه أو تفتيشه أو التجسس عليه إلا بموجب ترخيص قانوني.

صورتي لي واسمي ملك شخصي غير قابل للتصرف

إن شدة الاختلاط والاحتكاك داخل الجماعة الواحدة وفي فضاءات أضحت تصغر بشكل كبير مع هذه الثورة الكوبيرنيكية في مجال الإعلام والانترنيت، فرض ضرورة حماية حقوق الشخصية في الاسم والهيئة، فلا يجب انتحال اسم الغير أو استعماله في وثائق إدارية أو أي محرر، ولا يجوز استعمال أي صورة شخصية بدون إذن صاحبها أو بتعويض مادي مثبت، إن الصورة هي ملك شخصي وذاتي غير قابل للتفويت أو التفويض إلا برضى من المالك الشخصي للصورة وللاسم، وبالنسبة للمغرب، الذي لم يصادق على الاتفاقية الأوربية (STE N° 108)، فإن بعد الكونية يظل ناقصا في مجال حماية الحياة الخاصة، فالمادة 10 من اتفاقية حماية حقوق الإنسان في نطاق المجلس الأوربي تنص على الحق في حرية التعبير والتدفق الحر للمعلومات، لكنها في ذات الآن تؤكد أن “هذه الحريات تتضمن واجبات ومسؤوليات، لذا يجوز إخضاعها لشكليات إجرائية كاحترام حقوق الآخرين ومنع الأسرار وانتهاك الحرمة الخاصة”.

وخلاصة القول فإن الحق في الشخصية يتضمن خصوصية المعلومات (السجلات الطبية، البيانات الخاصة، المعلومات المالية، والخصوصية الجسدية المرتبطة بالجسد الشخصي، مثل كراء الأرحام، فحص المخدرات وفحوص الجينات ثم خصوصية الاتصالات وترتبط بالمعطيات الالكترونية الخاصة وسرية المراسلات الهاتفية والبريدية وخصوصية المجال أو المسكن الخاص وحرمته). هذا عدا باقي الحقو المرتبطة بالبيئة والعدالة الاجتماعية وتقاسم الأجيال المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية اتجاه الكون.

أضف ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.