عبد الكبير العلوي الإسماعيلي.. المتردد عاش الصحافة كقلق دائم

0

“كل ما ينساه المرء يصرخ طالباً النجدة في أحلامه” إلياس كانيتي

بكل تأكيد لم يلتق عبد الكبير العلوي الإسماعيلي يوما إلياس كانيتي، ولا قرأ كتابه ضد الموت الذي بشّر به منذ زمن بعيد، وقُدر له أن يرحل قبل أن يرى كتابه حول الموت حيّا.. لكن حين جاءني خبر نعيه، لست أدري لم تخيلتُ لو أن بطل حكاية أليكانتي التقى عبد الكبير العلوي الإسماعيلي ومنحه بعضا من العمر كما فعل مع الآخرين، ألم يكن ممكنا أن يكتب مذكراته ويكشف الأسرار التي ظلت تعذبه طويلا، لكن هل “يمكن للغة لا تعرف كلمة “الموت” أن تكون قابلة للحياة؟
كان المرحوم عبد الكبير العلوي الإسماعيلي مثل النديم الذي يُعرفه كشاجم بكونه الصديق الذي تندم على فراقه كل لقاء، فجأة فيما يشبه حوادث السير المفاجئة رحل عنا، كنا على لقاء فتركني في منتصف الطريق إليه.. هكذا هو الموت دوما مفجع وحزين، لكن في أجلّ المواقف يأتي مفاجئا ومباغتا، وآخر ما نتصور أن يحصل.. لعله مكر الحياة وغوايتها. أدركت يومها أن من نحبهم بقوة، يختارهم الموت بدقة!
جاءني صوته ذلك الصباح واضحا كما الصحو، برغم بعض العياء والتعب الذي اعتدته في صوته خلال عشرتنا الطويلة لأكثر من 24 سنة من كثرة إفناء ذاته في العمل.. أخبرني بصدور كتاب لمنشورات “الزمن” لفليب بلوك الموسوم ب”الحرب المقدسة”، أعجب بجودة إخراجه وطباعته.. تحدث عنه كما تتحدث أم عن مولودها الجديد، عرض عليّ الغداء بمنزله فاعتذرت بسبب التزام سابق، وتواعدنا مع الرابعة ونصف.
مع الساعة الثالثة زوالا، هاتفني الزميل إدريس العيساوي، وقال لي بأنه يجب أن نُداوم على لقاءاتنا لأن الموت بدأ يأكل منا، وأضاف بلهجة حزينة: “لقد توفي اليوم صديقك عبد الكبير العلوي الإسماعيلي”.. تجمّد الدم في قلبي وشردتُ لبرهة، ولم أستفق إلا والزميل إدريس ينبهني إلى وجوده على الطرف الآخر من الخط، فقلت له: “مستحيل، إننا تواعدنا على اللقاء وأنا في الطريق إليه وكنت في مكالمة معه”.. وكما لو أحدث شكّي زلزالا في يقينه، تعامل إدريس العيساوي بحدس الصحافي، تردد قليلا ثم قال لي: “سأتأكد من الأمر”، بحكم أنه يسكن في ذات الحي.
في اللحظة التي اقتربت فيها من هرهورة عاود العيساوي الاتصال ليؤكد لي وفاة عبد الكبير العلوي، أُصبت بالانصعاق، كيف يمكن أن يكون الموت بكل هذا الدهاء؟ أن يباغتنا حيث لا نتوقعه؟ ما أن وصلت باب إقامته الذي وجدته على غير العادة مغلقا، الأزهار تبدو شاحبة، وشجيرات مدخل المنزل سادها شحوب غريب، ويخيم صمت جليل على الأجواء.. حتى صدقتُ حقيقة الفاجعة، تقدم مني شخص يخدم المرحوم، وقال لي: عزاؤنا واحد لقد توفي مولاي لكبير..
مر كل شيء أمام عيني مثل سرعة البرق: يوم أول لقاء عام 1994، زهده اللا يوصف، تدخينه الشره بلا حدود، جلساتنا في منزله رفقة الراحل عبد الجبار السحيمي، نور الدين أفاية، سعد الدين العثماني، محمد ضريف، محمد الساسي، محمد العربي المساري ومحمد سبيلا… نقاشاتنا حتى وقت متأخر من الليل وجها لوجه، اختلافاتنا في الكثير من المواضيع، توجيهاته السديدة، سفرياتنا المتعددة، أحلامنا وإحباطاتنا المشتركة… أتذكر كيف حوّل منزله بالهرهورة إلى قبلة لكل أصناف الصحافيين داخل وخارج المغرب، ولكل ألوان الطيف الحزبي والسياسي عامة والفكري والنقابي والحقوقي، كان الأمر أشبه بتهريب أحلامه بمغرب متعدد ومؤتلف في عز اختلافه وتنوعه المخصب.. إلى هذا الحيز من إقامته.
كان المرحوم عبد الكبير العلوي مبدعا في الصحافة وفي النشر وساهم في إبراز يراعات كثيرة في ميادين فكرية وإبداعية وثقافية عديدة.. كان مرسولا ثقافيا مبدعا بصحبة الرائع محمد سبيلا ذي الأيادي الطيبة على الفكر المغربي. كان مليئا بغموض جليل وبأسرار بدا وحده ينوء بثقلها ولا يقوى على حملها، لكنه وُوجه دوما بالتشكيك حتى من بعض من كانوا يأتون إلى منزله ويُكيلون له المديح، كانوا يأكلون لحمه ما أن يتجاوزوا عتبة باب مسكنه في الهرهورة، الغموض الذي لفّ به نفسه والعلاقات الملتبسة له مع بعض أجهزة الدولة، شرّعت الباب نحو الكثير من الإشاعات السامة، فكان يداويها بالكثير من الحزن والتدخين والصمت، بدا لي أحيانا كثيرة يتألم وهو يستعيد كلام نيكوس كازنتزاكي: “يا له من سر غامض، يخلق الله بشرا يموتون، كل ما يخلقه الله يموت بينما يُلفّق الإنسان لك أحيانا ما لا يموت أبدا، أبدا”.
بعض الأسماء حين نأتي بها إلى الوجود تكون مثل الوسام الشرفي الذي نفتخر به ونجني من وراء حمله امتيازات لا حصر لها، لكن في حال عبد الكبير العلوي الإسماعيلي السجلماسي، لم تكن شجرة أنسابه إلا لتُحمّله كلفة باهظة أدّاها بالتقسيط المريح وما شكا.. بقدر تكلفة عشق وطن، لقد ورّطه اسمه في مسؤوليات عديدة وفي حرقة قلب، بدل الامتيازات التي يجري وراءها “الشرفا” المزيفون، ظل يتصرف كصحافي حر وكرجل دولة، كان أول صحافي مغربي يشتغل في الصحافة الدولية، بدءا ب”الدوتشي فيلي” الألمانية، في ذات الآن كانت له ارتباطات قوية داخل أجهزة الدولة، وهو ما كنت دوما أستغربه فيه، وأمازحه: “كيف يمكن أن يجتمع في ذات الشخص، الصحافي المستقل ورجل الدولة وهما على خصام دائم؟”
عام 1995 كانت جريدة “الزمن” قد نشرت على غلاف أحد أعدادها عنوانا صادما يومها بجرأة قوية: “كيف يفكر الحسن الثاني؟” استدعى المستشار الملكي أحمد رضى اكديرة إلى مكتبه عبد الكبير العلوي بصفته مديرا للنشر، كانت الجلسة ساخنة ولم تخل من تهديد مبطن، مثل شفرة حلاقة وسط القطن، قال له اكديرة: “يلزمك أن تنتظر 20 عاما لتتجرأ وتكتب عنوانا مثل الذين نشرت”!
لقد صدق عبد الفتاح كيليطو حين قال في “لسان آدم”: “من يموتون يضعون حيلة خبيثة نحو الأحياء، يتوارون تاركين لهؤلاء مهمة تفسير فكرهم، أي أن يتجادلوا حول ما قالوه وما كان ممكنا أن يقولوه، وما كان عليهم أن يقولوه، بل وحول ما لم يقولوه أبدا”.. أو كما قال كارل ماركس ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضا “فالميت يمسك بالحي”، لقد ترك الرجل لورثته ما لا يقوون على حمله، وسيحتاجون إلى زمن طويل لحفظ كنوز الأسرار والمشاريع التي تركها.
رحل عبد الكبير العلوي وفي جعبته الكثير مما كان يجب أن يبوح به، لقد كان من بين الصحافيين القلائل الذين يعرفون الخبايا العميقة لملف الصحراء، وظللت صحبة الصديق المفكر محمد سبيلا نحرضه على كتابة مذكراته لتعميم الفائدة، لكنه ظل يجيبنا بمكر: “سأكتبها حين تتبقى لي من العمر بضعة أشهر فقط، سأتفاوض مع الموت ليُمهلني حتى أنهيها”!
كان ملف الصحراء بالنسبة له أقدس القداس، في كل تحركاته الدولية والوطنية، فهمه العميق للسياسات الدولية وإسقاطاتها على الوضع الداخلي لا يجاريه فيه أي صحافي مغربي باستثناء محمد باهي الذي كان يجلّه.. وكان حاضرا في جل الندوات الصحافية التي كان يعقدها الحسن الثاني، مرة في قصره بالصخيرات على هامش انعقاد قمة فاس، أراد الملك الراحل أن يختم الندوة الصحافية فقال: “آخر سؤال سيطرحه الإخوة اليمنيون ونختم الندوة”، فرفع أصبعه، وأعطاه الحسن الثاني الكلمة، فقدّم نفسه: “عبد الكبير العلوي من الدوتشيفيلي الألمانية”، فقاطعه الملك الراحل: “ولكن أنت مغربي، العلوي، هذا الاسم مغربي؟ وأنا قلت آخر سؤال للصحافيين اليمنيين؟” وبسرعة بديهته رد عبد الكبير العلوي: “نعم سيدنا، حين بحثت وجدت أن العلويين أصلهم من اليمن”، فضحك الملك الراحل وسمح له بطرح السؤال.
كان الراحل كبيرا بحجم اسمه، وربما عانى وزر حمل لعنة اسمه لتعلو قامته كثيرا حتى يكون جديرا بحمل اسم الكبير، وأعتقد أن المواليد الذين جاؤوا إلى العالم بمناسبة العيد الكبير، أو تسمّوا باسم عيد الأضحى تيمُّنا بنبي الله إسماعيل عليه السلام.. كان لزاما على معظمهم أن يحمل بُعد التضحية في وشم حياتهم، وعبد الكبير العلوي الإسماعيلي كان بحجم اسمه، في مساره هناك انعطافات أشبه بالمفارقات، جاء من الهامش الفقير، مقصيا كان، إلى قلب العاصمة الإسماعيلية، ومن شعبة العلوم الرياضية التي كان يبزّ فيها جميع أقرانه قدم إلى الصحافة، هاجر إلى ألمانيا، حيث اهتم بالسياسة الدولية وكان في قلب محطات أساسية في القضايا العربية والوطنية، ومن بلاد بسمارك جاء إلى الرباط، كان يؤمن بشكل قوي بالإصلاح من الداخل بهدوء، ولما أحس بالدسائس الكبرى في مرحلة حرجة داخل مربع القرار التي كان مرتبطا بقمتها، وبالإقصاء والتهميش الذي ظل يُلمح له في مسامراتنا الخاصة، قرر إنشاء أول جريدة مستقلة، “الزمن” التي جلب تصورها من اسم جريدة ألمانية شهيرة كان مفتونا بها، اسمها ” Zeitung” والتي تعني “الصحيفة” وzeit تعني في الألمانية “الزمن”..
تلك الجريدة التي لم تنج من سهام التشكيك على عهد سلطة الصحافة الحزبية حيث كان يبدو كل ما هو خارج عن هيمنة الأحزاب الوطنية أو الديمقراطية مشكوك في انتسابه ومدان حتى تثبت براءته! وقُدر لعبد الكبير العلوي برغم كل خدماته لوطنه، أن يمارس عليه الكثير من الإقصاء والتهميش برغم الاحترام الذي ظل يكنه له رموز الفكر والثقافة والعديد من السياسيين والإعلاميين.
“مأساة الحياة أن الإنسان لا يصل إلى النضج الحقيقي، وإلى احتمال قدرته على أن يعطي أقصى ما يستطيع، إلا عندما يقترب من نهايتها، كالنحل كُتب عليه الموت بعد الإخصاب”.. هكذا كان حال الراحل عبد الكبير العلوي الإسماعيلي، حتى يوم مماته ونحن نتحدث في الهاتف حول العمل، حزمة كبيرة من الكتب كان يعكف على إصدارها.. والثناء على الشاب القزماني المخرج الفني لمنشورات النورس الذي سهر على الأعمال الأخيرة للزمن.
كانت التقارير الطبية تعطيه اطمئنانا إلاهيا للخلود، وكان يردد دوما “نحن العلويين نسل لا يفنى”، لذلك لم يترفّق بنفسه، وحين كنت ألتمس منه أن يعكف على كتابة مذكراته، كان يراوغني: “سوف أتفاوض مع عزرائيل أن ينذرني بقرب موتي حتى أنجز سيرتي”، كان زاهدا في الحياة حد التقشف، ميالا للعميق في قلب الروح، لذلك آخى شطآن العزلة وصادق ضفاف وحدته التي غدت أبدية.
وهو القادم من قلب ثقافة الشعب الألماني الذي كان يقدم الحطب اللازم لتدفئة العالم من فكر وفلسفة، كان يعي في سره وعلنه حكمة كانط وهو يقول: “ليس الموت إلا القناع الذي يُخفي نشاطاً أكثر عمقاً وأقوى مغزى، وأن ما يسميه القانون بالموت هو المظهر المرئي لحياتي وهذه الحياة هي الحياة الأخلاقية.. وما يسمى بالموت لا يمكن أن يقطع عملي، لأن عملي ينبغي أن يُنجز لأنني يتعين عليّ أن أقوم بمهمتي، فليس هناك حد لحياتي وأنني خالد”، لذلك استغربنا كيف قطع سلسلة حواراته في كرسي الاعتراف مع يومية “المساء”؟ كيف كان خلال كل مراحل الاستجواب مترددا فيما يجب أن يقال وما لا يجب أن يُقال بحكم استمرار تأثير ما سيقوله في الحاضر، حتى أن متتبعي حواراته لبس عليهم فهم المغزى مما قاله في مواقع عديدة، وظللنا أنا وسبيلا اللذان تورطنا في إخراجه من صمته وبوحه بما يخزنه من أسرار مفيدة للبلد، نتساءل عن السبب في توقف مذكراته: هل جهة ما أوعزتْ له بذلك أم حدسه الأمني الذي ارتفع أكثر من حدسه الصحافي؟
كان مؤمنا أن هناك أشياء كثيرة تنتظره، أحلام أرّقته، مثل جلب جامعة ألمانية إلى مكناس كنوع من الوفاء للمدينة التي عشقها، أو تطوير سلسلة إصدارات “الزمن”، وتأسيس معهد الزمن للدراسات الإستراتيجية والفكرية الذي بدأنا في وضع لبناته الأولى.
كان الراحل عبد الكبير العلوي متعففا، زاهدا في كل شيء، ترك متاع الدنيا هناك في ألمانيا ورفاه حياة خبرها بعمق وجاء إلى المغرب فيما يشبه المغامرة، ظل مقترا على نفسه في كل شيء، حتى في الفيلا الواسعة التي كان يقطنها، لم يكن يغادر بيتا صغيرا أسماه أخوه رشيد ب”قبة مولاي الكبير”، وكنت الوحيد الذي أصرّ على أن نجلس في الفضاء الواسع والأنيق للفيلا بدل الغرفة الضيقة الأشبه بالزنزانة، والتي قُدر له أن يموت فيها باطمئنان.
مرة كان في ضائقة مالية كبيرة ومع ذلك لم يكن يتسوّل أحدا، وهو يعرف كبار رجالات الدولة ومن هم في مراكز القرار، سألته: “لماذا عدتَ إلى المغرب؟ تركتَ إقامة فارهة في ألمانيا ووظيفة مدرة لدخل جيد وعلاقات وازنة؟”، فطلب مني أن آتيه بشيء ما من الغرفة الأخرى، لكن يبدو أنني عدت قبل الأوان فلمحت دمعتين لا زالتا تتلألآن على خذه، رغم أنه سارع إلى إخفاء ذلك عني، وقلب الموضوع بشكل مرح.. لقد ظل يخفي عنا لحظات ضعفه!
وأنا أتأمل بورتريه الراحل عبد الكبير العلوي الإسماعيلي، الذي أصر الفنان التشكيلي محمد السالمي بلمسته الإبداعية على أن يعيده إلينا فنيّا فيما يشبه استدامة حضوره، بابتسامته الهادئة خارج تلك الغضبة الفيلالية المُضرية التي كانت تجتاحه في زحمة العمل، بكلامه الهادئ المشوب بلحظات بياض كمن يبحث عن الكلمات المناسبة لوهج الروح بلا خطأ في الحساب، أستوعب بعمق أنه إذا كانت النفوس لا تموت، فمن الخير ألا يكون ما هو مفرط في وداعها، فالموت كما قال جورج باطاي مجرد تشويش على نظام الأشياء.

أضف ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.