عبد العزيز كوكاس
“عندما ينتزع الراعي عنزاً من براثين ذئب، تعتبره العنز بطلا أما الذئب فيعتبره دكتاتوراً” إبراهام لنكولن
لا زال الجدل محتدما في المغرب بين دعاة رفض هذه العقوبة القاسية وضرورة موافقة المغرب على إلغائها من قوانين العقوبات واللحاق بركب الدول التي ألغتها والتي بلغ عددها أكثر من ثلثي الدول (144 دولة).. وبين من يتشبث بعقوبة الإعدام إما لفهم لتأويل خاص للنص الديني أو بدعوى الإبقاء على قوة الردع التي تمثلها عملية سلب حياة الجناة في جرائم تهز كيان المجتمع، وبينهما يوجد سوء تفاهم طويل..
يفهم البعض طلب إلغاء عقوبة الإعدام كما لو أنه صفح عن عتاة المجرمين، والحال أن الأمر مغاير، إذ في الوقت الذي يطالب مناصرو رفض هذه العقوبة الوحشية، بتطبيق أقصى العقوبات يؤكدون رفضهم لغريزة القتل والانتقام، ولا يلتمسون العفو عن المجرم الذي سلب ضحايا أبرياء أرواحهم، إذ تعتبر عقوبة الإعدام جريمة، يقترفها المجتمع بشكل هادئ في الوقت الذي يؤكد أنه يحمي حق آخرين في الحياة، إنه وحشية بدائية، وما أروع ما قاله القديس أوغسطين في هذا الباب وهو يخاطب القاضي: “لا تدع النسيان يأخذ طريقه إلى فهمك، حافظ على متطلبات الإنسانية، إنك وأنت تحاكم المذنبين حاول أن تفتش لهم عن علاج لمرضهم بدلا من أن توقع عليهم الانتقام جزاء ما اقترفوه، إنه مع التسليم بفظاعات جرمهم، أناشدك من أجل المحبة أن تستبدل عقوبة الإعدام بأي عقوبة أخرى”، ثم أضاف وهو يستشهد بالمسيح عيسى عليه السلام “إنني لا أريد موت المخطئين، إنما توبتهم وحياتهم”.

الرحمة هي جوهر القانون، ولا يستعمل القانون بقسوة إلا الطغاة كما يعلمنا الحكيم شكسبير، وإثارة عقوبة الإعدام اليوم بالمغرب ليست من الترف الفكري أو النقاش المخملي، بل هي جزء من كينونتنا البشرية ووجودنا الحضاري، تحتم الاستمرار في الدفاع لترسيخ عدالة وجونا البشري.. لم يصادق المغرب حتى اليوم على اتفاقية الأمم المتحدة لإلغاء هذه العقوبة المخجلة في تاريخ البشرية، صحيح أن الدولة لم تنفذ عقوبة الإعدام رغم إصدار أحكامها منذ 1993، لكن لا شيء يمنع في حالة عدم التنصيص القانوني على إلغاء هذه العقوبة البدائية، من العودة إلى تنفيذها في ظروف استثنائية..
وحسب ما كشف عنه المجلس الوطني لحقوق الإنسان في تقريره برسم سنة 2022، فإن عدد المحكوم عليهم بالإعدام في المغرب بلغ إلى حدود نهاية سنة 2022 ما مجموعه 83 شخصا؛ حيث صدرت أحكام نهائية في حق 54 منهم، وأحكام ابتدائية في حق 14 شخصا في حين أن 15 شخصا هم محكومون استئنافيا.
في حين كان عدد الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبة الإعدام المودعين بالسجون الوطنية، في متم سنة 2020 ما مجموعه 76 شخصا، وذلك بزيادة أربعة أشخاص عن سنة 2019 حيث لم يتجاوز عدد المحكوم عليهم بعقوبة الإعدام 72 شخصا. وزيادة بسبع حالات عام 2022.
تبدو الدولة المغربية متقدمة على نخبها وعلى مجتمعها الذي يؤمن في عمقه بالانتقام والثأر وتطبيق الشرع.. فقد استفاد 213 محكوما بالإعدام من العفو الملكي منذ سنة 2000 إلى غاية نهاية 2022.. بينما نخب المجتمع المغربي لم تبد اهتماما بما أسماه الفقيه القانوني تارغيت “باللهو الأليم الحزين بأرواح المذنبين”، والعديد من أحزابنا السياسية التي قاسى بعض زعمائها من الحكم بالإعدام، فإن المطالبة بإلغاء هذه العقوبة من القوانين المغربية، لا يوجد مبدأ إلغاء عقوبة الإعدام على جدول أعمالها!
يجب أن نعترف أن الوعي المدني والحقوقي حول مطلب رفض عقوبة الإعدام أصبح يتزايد والأصوات المطالبة بإلغاء هذه العقوبة غدت تكشف عن نفسها اليوم بقوة، على المستوى الكوني، ثلثي دول العالم ألغت هذه العقوبة من قوانينها العقابية (144 دولة)، فيما ألغت 33 دولة من أصل 57 دولة بمنظمة التعاون الإسلامي عقوبة الإعدام أو لا تنفذها. وصادقت 90 دولة على البروتوكول الإضافي الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية الخاص بإلغاء عقوبة الإعدام.
على المستوى الرسمي، نجد أن المغرب خفض عدد الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام في القانون الجنائي من 31 جريمة إلى ثماني جرائم، ثلاث جرائم يعاقب عليها بالإعدام هي جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، ليصبح العدد11 عقوبة كما خفض أيضا عدد الجرائم المعاقب عليها بعقوبة الإعدام في القضاء العسكري من 16 جريمة إلى خمس جرائم فقط، في الوقت الذي كان القانون الجنائي وقانون الإرهاب والقانون العسكري يتضمن ما مجموعه 866 جريمة يعاقب عليها بالإعدام، وهذا تضخم خطير، قياساً إلى دولة تسعى إلى ملاءمة تشريعاتها الوطنية مع المواثيق الدولية.. وينص دستورها لأول مرة على مبدأ الحق في الحياة.. فيما انخفض عدد المحكوم عليهم بالإعدام في المملكة من 93 حالة في متم سنة 2018. ثم 72 حالة في 2019 ليرتفع اليوم إلى 83 حالة. وتقوم آلية العفو الملكي بمثابة إعادة التوازن عبر ترجيح القيم الكونية بشمل المحكومين بعقوبة الموت بالعفو. والذي بلغ في سنتين فقط حوالي 213 حالة. ضمنهن نساء.
قضاة ومحامون في طليعة الرافضين لعقوبة الإعدام
يقود المتنورون من نساء ورجاء العدالة ونخبة من المثقفين والإعلاميين مناهضة عقوبة الإعدام في الدول المتقدمة وحتى في دول تشبهنا دينا وثقافة ومستوى اجتماعيا.. ويتزايد عدد المطالبين بإزالة الإعدام من العقوبات بالمملكة، لكن مع ذلك يبرز بين الفينة والأخرى، أحيانا محامون وقضاة مغاربة وممثلون في البرلمان، للأسف، يدافعون عن إبقاء العمل بهذه العقوبة البدائية.
يبرر هؤلاء دفاعهم المستميت عن عقوبة وحشية لا تنسجم وافتراض أنهم النخبة الأولى المدافعة عن الوجه الحضاري للمجتمع البشري اليوم، بحماية المجتمع من “الأشرار”، يبدو هؤلاء مستكينين لعبارات “تسديد ديون المجتمع”، “العدالة أخذت مجراها الطبيعي”، “نال المجرم جزاءه بالموت”… وهي كلها عبارات تخفي طقوس الثأر والقتل البدائية، ففي عصر التمدن والحضارة نعود للتبشير بضرورة حماية طقوس القتل باسم الأخلاق والقانون والمجتمع.. لا يمكن النظر إلى عقوبة الإعدام إلا كفعل وحشي يغذي غريزة القتل والانتقام في المجتمع باسم القانون والمجتمع، وللأسف فإن الغرائز الإنسانية لا تمثل القانون، إنها لا تحافظ على توازنها كما يشتهي القانون ويريده المجتمع.
ليس هناك حق في الحياة أقدس من حق الحياة ذاتها، وأي سلب لها بغطاء القانون هو ترسيخ لمبدأ الانتقام، وإذا كانت تعلة وجود جناة يجنون في حق المجتمع بسرقة حياة أبرياء والقيام بأفعال وحشية تقضي على حياة الغير، فإن عقوبة القتل القانوني/ الإعدام لا تعتبر حلا للمشكل، لأنه لم يثبت أنه في الدول التي تطبق عقوبة الإعدام قد انخفضت عدد الجرائم بها، ففي قلب تنويع أساليب الموت الرحيم، من حقنة السم إلى غرف الغاز حتى الكرسي الكهربائي، تظل الجرائم الكبرى مستفحلة، ولم يثبت أن مجرما تحول إلى إنسان طيب لمجرد خوفه من حكم الإعدام.
لنجادلهم بالتي هي أحسن
يبني المتشبثون بالعقوبة القصوى حججهم على العديد من الاستدلالات التقليدية التي توارثتها البشرية واستكان لها الخيال الجماعي الذي لا زالت بعض تصوراته مستمرة معنا اليوم من مثل:
– الردع، قصاص العدالة من المجرمين: يرى المدافعون عن بقاء عقوبة الإعدام أن إيقاع العقاب القاسي القاضي بحرمان المجرم من أهم حق إنساني هو حقه في الحياة، من شأنه أن يردع غيره من المنحرفين، لكي لا يحدون حدوه ويوقعون المجتمع في شر أفعالهم ويصيبون أبرياء بالسوء عبر سلبهم أرواحهم.. والثابت أن حكاية الردع مجرد خرافة، فلا تأثير لعقوبة الإعدام على انخفاض أو ارتفاع الجريمة، خاصة أن القانون المغربي مثلا، يمنع تنفيذ حكم الإعدام بشكل علني، إلا إذا قرر وزير العدل خلاف ذلك.. وهو ما يعني أن المجتمع نفسه يخجل من تطبيق ما يشرعه.
لم لا تنفذ الدولة عقوبة الإعدام في حق مجرمين خطيرين ليكونوا عبرة لغيرهم إذا كانت تؤمن بالبعد التطهيري النفسي لعقوبة سلب حياة الجناة؟ وما الغاية من إصدار عقوبة لا تسهر مؤسسات الدولة نفسها على تنفيذها؟ ألا يتحمل المجتمع بمؤسساته العقابية ذنب الضحايا الذين قتلهم المجرمون من الذئاب المحيطة به والمهددة لسلامته في حياته وصحته وتوازنه النفسي والتي ينتجها هذا المجتمع نفسه الذي يريد أن يحاكم ضحاياه بالقتل، هل نصب مشنقة في الساحة العامة سيبُلُّ ريق القتلة الجدد تحت يافطة القصاص والثأر والانتقام وأخذ العبرة؟ هل إعدام مجرم سيطهر كل الوحوش الآدمية على وجه البسيطة من خطيئة انحرافها.. حتى نقول أهلا وسهلا.. نعدم جانيا وسيكف الباقون عن الحذو حذوه؟
يجب أن نواجه هذه الملهاة المبكية حقا. ففي عام 1886 نُفذ حكم الإعدام في حق 167 متهما في سجن بريستول، وثبت أن 164 منهم سبق أن شاهدوا تنفيذ عقوبات الإعدام، فأين هو الاعتبار؟ أليست رؤية تنفيذ عقوبة الإعدام محركاً لغرائز الموت وشهوة القتل؟ فالإعدام لا يلقن أي درس لكل المستهترين بأرواح البشر وقيم المجتمع الإنساني!
– تطمين المجتمع وإرضاء الرأي العام: الكثير من المغاربة لا يؤمنون بالقدرة التخويفية لأحكام عقوبة الإعدام، لكنهم مع مردوديتها على سيكولوجية الجماهير وأعراف وتقاليد المجتمع.. إن الأمر يتعلق فقط بادعاء عاطفي، فالرأي العام ليس بنية قارة، صحيح أن الناس يتهيَّجون أمام جرائم بشعة وقد يطالبون بقتل المجرم شر قتلة، وكثيرا ما يواجَه المدافعون بإلغاء عقوبة الإعدام من طرف الرأي العام: “تصور لو كان الأمر يتعلق بابنك أو بأختك في حالات الجرائم الصادمة؟”.. لكن نحن لسنا بصدد عملية انتخابية أو قرار سياسي، فالتاريخ يحفظ لنا أن السياقات الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية، والتهييج الانتقامي يحول أفعالا تافهة إلى جرائم قصوى تتطلب القصاص عبر القتل باسم القانون ووقاية المجتمع من شر الجناة.. لذلك كان ألبير كامو في كتابه “المقصلة” محقا حين قال: “ليس القانون هو الذي يقرر بدقة الحالات التي ينبغي أن يصدر فيها الحكم بالموت، بل الزمان وصدف الجغرافيا والأعراف والتقاليد”.
إن الرأي العام يمكن تهذيبه وتحسيسه بوحشية عقوبة الإعدام.. لقد كان خطأ فظيعاَ إصدار وتنفيذ الحكم بالإعدام على العميد ثابت، الذي قتله السياق السياسي والإعلام الوطني، وتلك جريمة تفوق خطورتها الجرائم التي اقترفها ثابت، لأن هذا القتل بدم بارد لنفس بشرية، هذا الإعدام البربري والوحشي، هو جريمة، ولعل إحساس البشرية بعقدة ذنب عقوبة الإعدام هو الذي جعلها تستعمل وسائل العلم والتكنولوجيا، ليكون قتل الدولة المشرعن أكثر رأفة ورقة.
وهؤلاء المدافعون عن بقاء عقوبة الإعدام، هم أقل رأفة من الدكتور غيوتين مكتشف المقصلة (لاغيوتين)، الذي كان يدافع عن اختراعه الرحيم الذي سلب أرواح الكثيرين، قائلا: “إن المحكوم عليه لا يشعر بشيء، وأكثر ما هناك برودة خفيفة في العنق”!
إن الأمر أشبه بملهاة بشرية.. كيف لمجتمع يريد الانتقام من مذنب أن يفكر في راحته وعدم إحساسه بالألم لحظة تنفيذ عقوبة الإعدام؟! ثم في عصر التمدن والحضارة كيف يستمر الحديث عن تكفير المذنب عن جرمه وتسديده لديون المجتمع.. إن الكثير من غرائز الانتقام والثأر والقتل البدائي تتخفى وراء الكلمات المهذبة، وعلينا فضحها، لنقول لا لبقاء عقوبة الإعدام بالمغرب.
فقط لشبهة الخطأ القضائي كعمل إنساني يجب إلغاء عقوبة الإعدام
حين نصل إلى إثارة أمر احتمال الخطأ القضائي، فإن العديد ممن دافعوا عن بقاء عقوبة الإعدام وإن حصروها في أمور محدودة، لا يجدون سوى تأويل النص الديني.. في إسبانيا، أثيرت بحدة قضية مهاجرين مغربيين حكمت عليهما إسبانيا الديمقراطية في ملف اغتصاب وسرقة وقتل ب20 سنة سجنا في أواسط الثمانينيات، واكتشف فيما بعد أن الجناة الحقيقيين ظلوا أحراراً لمدة 15 سنة، فيما قضى حميد نحبه داخل السجن وأفرج عن عبد الرزاق في حالة انهيار كامل.. لو كانت إسبانيا تطبق عقوبة الإعدام، لما استطاع القضاء إصلاح الخطأ الذي ارتكبه نسبيا، وفي أمريكا هناك حكايات دامية عن أشخاص حوكموا بالإعدام ونفذ فيهم وبعد ذلك ظهرت براءتهم وبرز الجناة الحقيقيون.
وبفرنسا لازال اسم ساعي البريد “لوزيرك” في قضية بريد ليون، يسكن اللاشعور الجمعي للفرنسيين، لقد تم إعدام الرجل خطأ.. يرى الخبير القانوني “أوليفكروا”، الذي طبق حساب الاحتمالات على إمكانية الخطأ في الحكم القانوني عام 1860، أن حوالي بريء واحد يحكم عليه من بين 257 محكوماً.. هل تبدو لكم النسب ضعيفة، ضعوا أنفسكم مكان المحكوم البريء بعقوبة الإعدام خطأ، وسترون أي جرم نرتكب بالسكوت عن بقاء العمل بعقوبة الإعدام بالمغرب!
وأستغرب كيف أن العديد من المتشبثين بعقوبة الإعدام، يهللون بأنها لم تنفذ بالمغرب منذ سنة 1993، وهذا وحده يدل على وعي شقي لدى الكثير من الفاعلين المغاربة الذين يعتبرون الدفاع عن إلغاء عقوبة الإعدام ترفا زائدا اليوم، ويتشبثون بالإبقاء عليها في نص القانون، وفي ذات الآن يشيدون بعدم تنفيذ الدولة لحكم الإعدام، وعلينا بحبة فهامة لنعي هذا الوضع الفصامي لدى هؤلاء الذين لا يعرفون أن المحكومين بالإعدام يموتون أكثر من مرة من لحظة انهيارهم بعد النطق بالحكم به حتى ما قدر الله لهم العيش في أحياء الإعدام بالسجون المغربية.
إن وجود بريء واحد نفذ فيه حكم الإعدام بسبب خطأ ما، يكفي لإدانة عقوبة الإعدام، عدا أنه لم يثبت أبداً أن الإعدام كان دواء ناجعاً للجرائم البشعة، ولا يكفي تحقيق ضمانات محاكمة عادلة لتجاوز الخطأ البشري.. ثم كيف تقتل الدولة باسم القانون، والمجتمع يتحمل مسؤولية كبرى في الانحراف وخلق جناة قساة بلا قلب ولا رحمة ينتقمون من إقصائهم وتهميشهم..
الجرائم البشعة مصيبة كبرى وعقوبة الإعدام مصيبة أعظم
لقد منحنا تطور العلوم الإنسانية، إمكانية فهم أعمق لنفسية الجاني باعتباره نسقا مركبا بيولوجيا وسيكولوجيا واجتماعيا وتاريخيا، فجزء كبير من الجرائم التي يرى العديدون أنها تستحق عقوبة الإعدام، تعتبر مسؤولية المجتمع ثابتة فيها، ذلك أن بواعث الفساد والإجرام والعبث والمجون والضغط النفسي والإحباط والإقصاء… سببها المجتمع الذي يخلق الظروف المساعدة على الجرائم المروعة، لأن التطور التاريخي والحضاري يفرض تحولات أقوى مما يشتهيها الإنسان أو يضبطها القانون، فكيف يعود المجتمع الذي يعتبر مسؤولا عن الكثير من الجرائم البشعة، إلى القصاص ليصب غضبه على مرتكبيها الذين صنعهم بنفسه؟ ثم ماذا نريد بعقوبة الإعدام؟ أخذ العبرة من طرف مجرمين محتملين أو موجودين بالقوة؟
إن المجتمع نفسه لم يعد مقتنعا بذلك، بدليل أننا لم نعد نجري هذه الإعدامات في ساحة عمومية لخجل السلطة والمجتمع، ومن قال إن مجرد مشاهدة طقوس القتل باسم القانون، تقتل ميولات مجرمين آخرين لكي لا يحدون حدوهم؟ ولم لا نقول إنها تشجع المجرمين وتوقظ فيهم غرائز الموت وحب الظهور المرضي، في زمن نسمع عن موت أطفال، حينما جربوا الطريقة التي أعدم بها أشخاص آخرون؟
يرى المتشبثون بالعقوبة القصوى أن عقوبة الإعدام تخضع لمقياس العدالة التي لا تستثني أحداً، لأنها تحمي المجتمع مما يمكن اعتباره شذوذاً إنسانياً، هل القانون هو الفيصل حقا في كل قضايا الحكم بالإعدام، فالذي يقرر بدقة حالات الإعدام هو السياق والأعراف والتقاليد والرأي العام؟
فهناك بشرية القضاء والجو النفسي للمحاكمة، والسياق الذي يعطي معنى للأشياء، هل ستكون عدالتنا أكثر ضبطا ونضجا من العدالة الأمريكية مثلا، اقرأوا كتاب “A travers les barreaux” ورواية “الزنزانة 2455، رواق الموت” للأمريكي كريل تشسمان Caryl Chessmann الذي حكم عليه بالإعدام في 3 يوليوز 1948، والذي ينضح بتراجيديا بشرية سببها الحكم بالإعدام والطقوس المؤلمة المحيطة به. دفعت الرئيس الأمريكي جون كنيدي إلى القول: “لو أنني علمت بحكاية تشسمان لكنت أفرجت عنه”.
لا تفصل قوانين البلد على لحظات الجيشان العاطفي مع كل جريمة شنيعة
إن تغيير القانون لا يمكن أن يكون خارج تيار مجتمعي كاسح يقطع مع ثقافة الثأر وإعمال شرع اليد والعودة إلى وحشية القرون السابقة التي ناضلت البشرية كثيرا للقطع معها، والحياد في هذا الموضوع والصمت فيه جريمة لا تقل عن وحشية ما اقترفته يدا الجاني.. الكثيرون يعتقدون أن الجرائم النوعية كثرت لأن السجون المغربية أصبحت أجمل من السكن في المنازل في بعض الأحياء، ورجال السلطة أصبحوا وديعين وذهبت هيبة أيام زمان، بل هناك من يذهب إلى أبعد مدى فيما يشبه الحنين الجريح إلى أيام “سيبة السلطة” بلا مواثيق ولا عقود ولا قوانين للضبط… مع العلم أنه في عهد تلك القسوة والاستبداد اغتصب وقتل مجرم بتارودانت وبدم بارد 11 طفلا!
لم يثبت في أي بلد على مدى تاريخ تطور البشرية وحتى في الدول التي لا زالت تصدر أو تطبق عقوبة الإعدام حتى اليوم، أن عقوبة الإعدام شكلت قوة ردع نجحت في نقص عدد الجرائم التي تهز المجتمع، وهو ما دفع بالعديد منها إلى التخلي عن إصدار هذه العقوبة، ففي نهاية عام 2019، ألغى 106 بلد (أي أكثر من نصف دول العالم) عقوبة الإعدام في القانون بالنسبة لجميع الجرائم، كما ألغت 144 دولة (أي أكثر من ثلثي دول العالم) عقوبة الإعدام من القانون أو لا تطبقها في الواقع الفعلي.. وأكد تقرير للأمم المتحدة أن أربع دول فقط نفذت 84 في المائة من عقوبات الإعدام في العالم عامي 2017 و2018، وهي العربية السعودية والعراق وباكستان وإيران.. وأكدت تقارير أن الجريمة في هذه الدول ارتفعت، وأغلبها ينفذ عقوبة الإعدام بطريقة بدائية في الساحات العامة؟
في الولايات المتحدة الأمريكية هناك 20 ولاية، بالإضافة إلى واشنطن العاصمة، لا تطبّق عقوبة الإعدام والعديد من الولايات بدأت تتخلى تدريجيا عن هذه العقوبة القاسية في السنوات الأخيرة لأنها اكتشفت أنها تكتسي طابعا عنصريا أغلب ضحاياها من السود ومن الفئات الهشة في المجتمع الأمريكي.. وأنها لم تشكل ردعا لتنامي الجرائم البشعة التي تهز كيان الرأي العام.
هل الإعدام هو الحل؟
إن الجرائم البشعة التي عبرت المغرب وتميزت بتيار جارف من العواطف التي تطالب بالثأر عبر إعدام الجاني، تعتبر وقاع شاذة وعرضية ولا يمكن أن نفصل على ضوئها القانون الجنائي المغربي الذي يصنع للمستقبل ويرهن جيلا بكامله، إن سلب الحرية والسجن المؤبد، هو أخطر حكم، ودور المؤسسة السجنية ليس هو الانتقام بل الإصلاح وإعادة إدماج المصنفين خطرا إلى الحياة العادية وسط المجتمع، والسجن هو بمثابة مدرسة تأديبية أو مستشفى عقابي، دوره إعادة تأهيل وإدماج المنحرفين لأسباب عديدة، وهذا يقتضي تأهيل السجون التي بدل الإصلاح لا تنجح سوى في إنتاج مجرمين وتفريخ آخرين، لإنها تفتقد لوسائل العمل، وإلى تغيير المجتمع لرؤيته للمؤسسة السجنية ليس لجانبها العقابي وإنما لجانبها الإصلاحي.
إن إلغاء عقوبة الإعدام، هي واجب للضمير البشري فينا، للإنساني فينا، يجب أن نكف عن العبث، المطالبة بعقوبة الإعدام ليست ترفا فكريا، مهما كان المجتمع يعتقد بأنه يجب أن نقتص ممن أخلوا بشروط الإقامة فيه وأجرموا في حقه، وأضروا بسمعته وبقيمه وغير ذلك.. إن الأمر مجرد أوالية نفسية لستر أخطاء مجتمع ومعها إظهار غريزتنا الحيوانية البدائية في شكل صيغ قانونية مدنية..
يجب أن نكف عن العبث، ونقول بملء فمنا: لا لعقوبة الإعدام، ليس لتنفيذه أو عدم تنفيذه، بل لا لعدم سنه كليا.. يجب أن نطالب بكامل قوانا لكي تلغى عقوبة الإعدام التي تعتبر جريمة في حد ذاتها، لا يمكن للمجتمع أن يقتص من أحد أفراده بالقتل بدعوى تكافؤ العقوبة، فهذا مجرد ثار في قفاز ناعم اسمه القانون. لا أحد وهب الحياة للآخر لكي يسلبها منه، حتى المجتمع، وحده الخالق من يملك ذلك، والقصاص المجتمعي بدعوى العدالة وإثبات القوانين، هو ثار بين، ليس هذا نوع من الرومانسية الحالمة، يجب أن نبحث عن المجرم الحقيقي في كل هذا المسلسل، وغريزة الانتقام يجب أن تكون آخر شيء يفكر فيه المجتمع تجاه أبنائه، ذلك هو الوجه المتحضر الإنساني لبلوغنا قمة كبرى في المدنية.