عبد العزيز كوكاس
تعيش فرنسا وضعا غير مسبوق في تاريخها الدبلوماسي والسياسي، وإذا أضفنا إليه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الداخلية لما بعد وباء كوفيد 19، اكتملت صورة تردي صورة وموقع فرنسا، أبرز ما يطل برأسه من التقهقر الفرنسي، هو العلاقة المظلمة لبلد الأنوار مع مستعمراته السابقة بإفريقيا، لا يمكن بالطبع تفسير كل ما يحدث بسياسة ماكرون، إذ بدأ الأمر أكثر من عقد من الزمان بسبب تراكم أخطاء استراتيجية فظيعة أوصلها إيمانويل ماكرون إلى عتبتها العليا من الانحدار، لذلك ارتبط به كل ماضي الكوارث الفرنسية جنوب البحر الأبيض المتوسط في الألفية الثالثة، حدثت تبدلات كبرى كانت تحول مركز الريادة من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي بعد بروز فاعلين كبار في القارة السمراء، من روسيا إلى الصين خاصة، جعلت من فرنسا الرجل المريض يقوم بدور تراجيدي اليوم للسير نحو الانحدار بيقين كوميدي.

من لحم دجاجها أكلت ومن بيضها فقصت ثروتها
رغم أنها من لحم دجاج مستعمراتها الإفريقية أكلت بنهم ومن بيضها فقصت ثروتها التي لم يستفد منها في هذه الدول سوى الأنظمة العسكرية الدكتاتورية المقتتلة فيما بينها، والتي يجري تغييرها كلما بعدت المسافة ما بين الحكام الإفريقيين المحروسين والراعي الفرنسي، حيث كانت هناك أكثر من 1100 مجموعة استثمارية فرنسية عملاقة تنشط في إفريقيا “الفرنكفونية” وحوالي 2100 شركة كبيرة، إلا أن زعماء فرنسا ارتكبوا أخطاء قاتلة، على رأسها عدم دعم التنمية المحلية وإقامة شراكات حقيقية، تم سحب العديد من الاستثمارات الفرنسية من البلدان الإفريقية الفرنكوفونية وتوجيهها نحو البلدان الأنكلوفونية في مجالات البنوك والنقل والاتصالات وباقي الخدمات، على اعتبار عدم وجود ماضي استعماري وحقد عام تاريخي في هذه الدول يهدد مصالحها، فتقلصت التجارة مع المستعمرات الفرنسية السابقة في غرب ووسط إفريقيا خاصة إلى حدود مخجلة لا تتجاوز اليوم نسبة 1 بالمائة من إجمالي تجارة فرنسا. وكان أحد أكبر انسحابات الشركات الفرنسية، عام 2022، حين قررت شركة الخدمات اللوجيستية الفرنسية “Bollore Logistics” مغادرة إفريقيا بعد ما يقارب نصف قرن لتحل محلها شركة الشحن الإيطالية السويسرية”MSC” ، بل إن شركات فرنسية كبرى حولت استثماراتها من إفريقيا نحو دول بديلة، وسبب جزء مما يحدث اليوم من توتر مع الجار الجنوبي، كون المغرب اشترى جزءا من هذه الشركات التي حلت محل الوجود الفرنسي وتعتبر اليوم إحدى عناصر استثماراته الناجحة وجزءا من سر قوته في العمق الإفريقي..
كانت فرنسا تنظر إلى التحرك الألماني في أوربا الشرقية بعين الريبة، نوعا من المنافسة في فردوس واعد وتخشى من الريادة الجرمانية فنقلت استثماراتها هناك، وكانت لعنة الكساد والانهيار المالي الذي أصاب اليونان تبدو أشبه بلعنة الآلهة الإفريقية التي تطارد فرنسا حتى في مكان بعيد عن القارة السمراء.
وينتظر أن يكون التخلي عن الفرنك الإفريقي من طرف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” المكونة من 15 دولة، والاعتماد على عملتها الخاصة “الإيكو” بحلول عام 2027 بدل الفرنك الإفريقي الذي كانت قد أقرته فرنسا في مستعمراتها السابقة، ربما آخر مسمار في نعش الوجود الاقتصادي الفرنسي في مستعمراتها القديمة.
بدون إفريقيا ستفقد فرنسا هيبتها “الإمبراطورية”
ماذا تساوي فرنسا بدون مستعمراتها الفرنكوفونية بإفريقيا؟
لنتذكر ما قاله الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في ثمانينيات القرن الماضي: “دون إفريقيا، لن تملك فرنسا أي تاريخ في القرن الواحد والعشرين”، بل إن شيراك اليميني ذهب أبعد من ذلك حين قال في مارس 2008 “بدون إفريقيا، ستنزلق فرنسا إلى مرتبة دول العالم الثالث”.
زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون 17 دولة إفريقية حتى العام الماضي، لكنه كان محاطا بمستشارين من الدرجة الثالثة، لم يهضموا التحولات الإستراتيجية الجارية في إفريقيا مع بروز جيل جديد من القادة لم يعد لهم لا ثقل جراحات المسار التحريري ولا المصالح الاقتصادية الكبرى للدكتاتوريين الخالدين، حتى ممن جاؤوا على ظهر الدبابات، بالإضافة إلى وعي شعبي بفضائح الوجود الفرنسي القاتم بدولهم، كما أن شكل “تعجرف” الرئيس ماكرون أثناء اللقاءات التي تجمعه بالقادة الأفارقة جلب عليه حقدا جعل كل رموز الدولة الفرنسية غير مرغوب فيها، من الوجود العسكري كما حدث في مالي وباقي دول جنوب الساحل إلى الخروج التراجيدي للسفير الفرنسي من النيجر، حتى ولو كان ماكرون يبشر كما فعل في الربيع الماضي في ليبرفيل بسياسة فرنسية جديدة في القارة السمراء، حين أكد أن عصر “فرنسا الإفريقية” قد انتهى، وأن فرنسا صارت الآن “محاورا محايدا” في القارة. وأضاف ماكرون أمام الجالية الفرنسية في الغابون: “انتهى عصر فرنسا الإفريقية هذا، وأحيانًا يتكون لدي شعور بأن الذهنيات لا تتطور بوتيرة تطورنا عندما أقرأ وأسمع وأرى أن ما زالت تُنسب لفرنسا نوايا ليست لديها، ولم تعد لديها”. لذلك علقت جريدة “ليبراسيون” على استراتيجية ماكرون المخادعة قائلة: “إن خطاب ماكرون حول أفريقيا.. كلمات جديدة تحمل نفس الحمض النووي القديم” لقد أفقد فرنسا قوتها المادية وقوتها الناعمة معا.
انقلابات إفريقيا الفرنكفونية تمرغ وجه ماكرون في الوحل
بعد انقلاب النيجر، صحا العالم على انقلاب عسكري في الغابون، وقبلهما كان ما حدث في مالي وبوركينافاسو وغيره فألا سيئا على الوجود الفرنسي، لا يمكن أن نربط كل ما يحدث في بعض الدول الإفريقية ذات الاستقرار الهش بلعنة الماضي الاستعماري فقط، إذ ليس صدفة أن تقتصر الانقلابات على المستعمرات الفرنسية في إفريقيا التي وصلت إلى ثمانية انقلابات خلال ثلاث سنوات فقط.. بل وصل الإذلال والسخط الشعبي ضد فرنسا إلى حد التظاهر في النيجر للمطالبة بطرد سفير فرنسا في نيامي الذي كان خروجه مذلا.
وفي الوقت الذي كان على ماكرون أن يستوعب موجة السخط العارمة اتجاه فرنسا، والتي تفاقمت مع مجيئه إلى سدة الحكم وافتقاد سياسته للعمق الاستراتيجي، استمر في تبرير ما حدث كما لو أنه مجرد حادثة سير تاريخية اعتادتها هذه الدول، فبدا مثل من يخبئ الغبار تحت السجاد، ويعتقد أو يوحي بأنه ينظف البيت الداخلي، حيث سارع إلى التلويح بالعمل العسكري والتدخل المباشر في النيجر الذي يعتبر عملية محفوفة بالمخاطر ولن تقود إلا إلى مزيد من الاحتقانات، لأن الأمر اليوم أصبح هيجانا شعبيا ضد فرنسا الاستعمارية وسياستها الانتهازية، ولأن السياسة مثل الطبيعة تخشى الفراغ وتأباه فإن روسيا والصين وأمريكا لم يتركوا الساحة فارغة في إطار تنافسهم الشرس، على ماكرون أن ينظر جيدا في مرآة ما حدث بالنيجر والغابون وعموم دول جنوب الساحل، ويعلن عن تغيير استراتيجي لسياسة بلاده اتجاه مستعمراتها السابقة.. إن لم يكن الأوان قد فات حقا. فحدوث ثمان انقلابات في ظرف وجيز في المستعمرات الفرنسية السابقة لا يمكن اعتباره مجرد لعنة لقدر يعاند القيادة الجديدة لفرنسا.
في ذات الوقت كان التنين الصيني يكتسح المواقع الفرنسية، حتى أصبحت بكين اليوم المستثمر الأول في إفريقيا بقيمة 36 مليار دولار سنويًّا ويبلغ مجموع الاستثمارات الصينية في إفريقيا ما يزيد عن 400 مليار دولار، كما وصل التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا إلى 190 مليار دولار وهو حجم يفوق التبادل التجاري للقارة السمراء مع الولايات المتحدة الأميركية والهند وفرنسا مجتمعة. أما عن تراجع استخدام اللغة الفرنسية فقد وصل إلى مستويات كارثية، سيحسب على ماكرون أنه سرع من تدهور الوجود الفرنسي في إفريقيا وسياسته المتعجرفة لم تجني لا ربحا اقتصاديا مبنيا على الشراكة الحقيقية مع المستعمرات السابقة ولا وجودا عسكريا، منذ سحب قواته من دول الساحل التي دخلت الأسبوع الماضي في تحالف عسكري جديد تحت إشراف ورعاية روسيا.
لعل هذا ما جعل المحلل الأمريكي ستيفن أ. كوك في مقال له بالمجلة الأمريكية “فورين بوليسي” في يوليوز 2019 يحمل عنوانا مثيرا “مستقبل أوروبا سيتقرر في شمال إفريقيا” ينتقد الرؤية الضيقة بالنسبة لماكرون إذ “من المحتمل أن تكون السياسة الفرنسية بصدد زيادة الطين بلّة” في شمال إفريقيا التي اعتبرها هي التي ستقرر مستقبل فرنسا، ونصح الولايات المتحدة الأمريكية، بكون منطقة شمال أفريقيا تكتسي أهمية أكبر مقارنة بهوس صنّاع القرار الأمريكي بالشرق الأوسط القديم والجديد. ويجب على الولايات المتحدة أن تتوقف عن معاملة المنطقة باعتبارها منطقة ثانوية لبقية منطقة الشرق الأوسط.
بين ماكرون وبايدن وزلزال المغرب: الكبار كبار والصغار صغار
لا ينظر إيمانويل ماكرون إلى المغرب بعين مطمئنة، أصبح يشعر بأن صديق فرنسا وحليفها التقليدي – برغم التشنج الذين كانت تعرفه العلاقات الثنائية بين البلدين بصفة دورية، إلى أنها لم تصل يوما إلى مثل هذه القطيعة الدبلوماسية والسياسية إذا استثنينا ما وقع عام 1965 على عهد شارل ديغول بعد اختطاف المهدي بن بركة- لم تعد له ذات الانتظارات التقليدية، ومع فشله الذريع في إيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، وجد نفسه يضع كل بيضه في سلة الجزائر على حساب المغرب، وهو ما لا يشاركه فيه لا الكوندورسيه ولا جزء واسع من الطبقة السياسية المستنيرة التي ترى في المملكة شريكا موثوقا به، فكانت أزمة التأشيرات وعدم الاستجابة لطلب العاهل المغربي في خروج فرنسا من المنطقة الرمادية لدعم قضية وحدته الترابية التي أصبحت هي المنظار الذي يرى من خلالها المملكة إلى علاقاتها الدولية وشراكاتها المستقبلية، خاصة بعد الدفعة القوية التي شكلها الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء.. وما تلاها من سحب التمثيلية الدبلوماسية بين البلدين وغياب أي تواصل بين قادة ومسؤولي البلدين.
يبدو ماكرون رهينة لارتباط وثيق بالجزائر، خارج الغاز، تظل أسراره طي الكتمان حتى اليوم، وما زاد الطين بلة هو رفض المغرب المساعدات الفرنسية ضمن ذات منطق القطيعة الذي تشهده العلاقات بين فرنسا والمغرب، مما استفاقت معه ذات مجموعة “بيغاسوس” للهجوم على المغرب، خاصة من وسائل الإعلام التي أصبحت تملكها شركات فرنسية كبرى بعد أزماتها المتتالية، وتلك التي تتحكم في خيوطها أجهزة الدولة العميقة. لم يقبل المغرب مساعدات دول كثيرة، لكن عدم قبولها من فرنسا بالذات، خلق جدلا سياسيا كان في معظمه موجها بأيادي تأكل مع الشيطان بملعقة طويلة.
وكان من سوء التقدير الدبلوماسي والسياسي، مخاطبة ماكرون للشعب المغربي مباشرة، كان ماكرون بهذا الأسلوب يريد أن يضرب عصفورين بحجرة واحدة، الأولى تتمثل في إسكات الأصوات الفرنسية الوازنة ومقاطع من الرأي العام الفرنسي لسياسة القطيعة التي انتهجها ماكرون اتجاه المغرب، ليؤكد لهم أنه سعى لمد يد المساعدة في أكبر مأساة هزت المغرب ومع ذلك لم يقبل، وهو تنصل واضح من مسؤوليته في ما وصلت إليه العلاقات بين البلدين، والثانية تتمثل في تحريض ضمني في كون الملك والدولة المغربية هي التي لم تقبل المساعدة الفرنسية، وخلق نوع من القلق داخل المغرب، لكن ردة فعل المغاربة كانت صادمة لماكرون ومعاونيه.
في ذات اللحظة تلقى الملك محمد السادس، اتصالا هاتفيا من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، جوزيف بايدن، أعرب الرئيس الأمريكي، لجلالة الملك وللشعب المغربي، عن تعازيه الشخصية، وكذا تعازي الشعب والحكومة الأمريكيتين، وأشاد بسرعة ونجاعة تدبير تداعيات هذه الكارثة الطبيعية الكبرى، وذلك تنفيذا للتعليمات الملكية السامية.
والأكثر إثارة في المكالمة الهاتفية لبايدن هو إعراب الرئيس الأمريكي عن استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لتقديم المساعدة والدعم الضروريين للمملكة بناء على احتياجات محددة من طرف السلطات المغربية، كما هي مدرجة في إطار مخطط العمل متعدد الجوانب الذي اعتمدته لمواجهة هذه المأساة.. لم يتسم تدخل الرئيس الأمريكي بأي عجرفة بل جاء محملا بلغة دبلوماسية تستثمر الخيبة الفرنسية بالمغرب بشكل ذكي.